الموقع الرسمي لمجلة حور الدنيا
مجلة شبابية



الإسلامي

2014-12-22
 

الأناة – الدكتورة رفيدة الحبش

More articles by »
Written by: admin

الأناة
جاءَ وفدُ بني عبدِ قيسٍ إلى رسول الله ،فلما وصلوا المسجدَ تركوا رحالَهم ودخلوا مسرعين شوقا للقاء الحبيب، فقَالَ لهم :
– «مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا وَلا نَدَامَى» .
نظر أحدهم حوله، وكان اسمه الأشج، فوجدهم تركوا الرحال مبعثرة ، والجمال حرة، فأخذ الرحال ورتبها، وعقل النوق، وأخرج ثياباً جديدة له ولبسها، ثم جاءَ يمشي بهدوءٍ حتَّى أخذَ بيدِ النبي فقبَّلَها وجلسَ.
يقولُ الأشجُ فقالَ لي رسول الله :
– «إنَّ فيكَ خصلتينِ يحبُّهما اللهُ ورسولُه: الحلمُ والأناةُ».
– قلْتُ: يا رسولَ الله أهما خُلقانِ تخلقْتُ بهما أم جبلَني الله عليهما؟
– قالَ: «بلْ جبلَكَ اللهُ عليهما» .
– قلْتُ: فالحمدُ لله الذي جبلَني على خصلتين يحبُّهما اللهُ ورسولُه.
يذكِّرُني هذا بالدخولِ على رسول الله في الروضة الشريفةِ ،للأسف كثير من النساء يدخلن روضة النبي بسرعة وفوضى وتدافع ،وهذا يشوش حال الداخل على رسول الله ،ويظهر الزائر بموقف سوء الأدب مع رسول الله ، نحن نحتاج في زيارتنا إلى التأني والأناة.
حديثنا اليوم عن الأناة.
الأناةُ: هي التثبتُ وتركُ العجلةِ.
والتأني: هو الرفقُ ورفضُ العجلةِ والنظرُ في العواقبِ.
التأني صفةٌ من صفاتِ الله: ففي خلقِ السمواتِ قال: :{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: ٤].
خلقَهما في ستةِ أيامٍ، ولو شاءَ أن يخلقَهما في ساعةٍ واحدةٍ لخلقَهما،فهذا تعليمٌ لنا على التأني والصبرِ في الحصولِ على أهدافِنا.
وعن القرآن الكريم قال تعالى:
{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } [القيامة: ١٦ – ١٧]
هذا خطابٌ لرسول الله ونهيٌ عن عادةِ العجلةِ، وحثٌّ على الأناةِ والتؤدةِ.
كذلكَ يعلِّمُنا رسولُ اللهِ التأني في القدومِ إلى صلاةِ الجماعةِ فيقولُ: «إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَلا يَسْعَ إِلَيْهَا أَحَدُكُمْ وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ،صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ» .
فإذا كان اللهُ يعلِّمُنا التأني في الصلاة، وفي قراءة القرآنِ فكيف ببقية أعمالِنا للدين وللدنيا ؟
– نحن بحاجة للتأني في إصدار أحكامنا.
– تأنَّى….ولا تتسرعْ في إصدار حكمِك على الآخرين.
– يؤدبنا الله تعالى بأدب التأني في قوله: :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}
– [الحجرات: ٦].
تعلمون أنها نزلَتْ في أحد اصحابة،وسببُ ذلكَ أنَّ النبيَّ بعثَه إلى بني المصطلقِ ليحضرَ الصدقاتِ، فلمَّا أبصروه أقبلوا نحوَه ليستقبلوه، فهابَهم، وظنَّ أنَّهم يريدونَ قتلَهُ، فرَجَعَ إلى النبي فأخبرَه أنهم قدِ ارتدوا عن الإسلام.
فبعثَ نبيُّ الله خالدَ بنَ الوليدِ ليقاتلهم، وأمرَه أن يتثَّبَتَ ولا يعجلَ، فانطلقَ خالدٌ حتى أتاهُم ليلاً، فترصَّدَ لهم، فسمعَ أذانَهم وصلاتَهم، فعادَ إلى نبي الله فأخبرَه، فنزلَتْ هذه الآية، فكانَ يقولُ نبي الله :
«التأنيْ من الله والعجلةُ من الشيطان» .
والعاجلةُ هي الحياةُ الدنيا، قال تعالى: :{كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ، تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}. [القيامة: ٢٠ – ٢٥].
رغَّبَ اللهُ في هذهِ الآيةِ بتركِ حبِّ الدنيا، وبالاستعدادِ للقاء وجهِ اللهِ في الآخرةِ، فمن لا يرتع في حب هذه الدنيا ،ويجعل هدفه العمل للآخرة سيكون وجهه ناضراً منيراً بالنظر إلى جلال وجمال سبحات وجه الله تعالى.
– نحن بحاجة للتأني في اتخاذ قرارات حياتنا،تأنَّى في اتخاذ قرارِك ولا تتسرَّعْ قبلَ أن تفكرَ وتقلِّب الأمورَ.
يقول ابن عباس: إذا تأنَّيْتَ أصبْتَ أو كدْتَ تصيبُ، وإذا استعجلْتَ أخطأْتَ أو كدْتَ تخطئُ.
والتسرُّعُ هو عكسُ الحكمةِ. نحنُ نحتاجُ دائماً إلى التأني في حياتنا، التأني في تفكيرنا، في تصرفاتِنا مع أزواجِنا، ومع أولادِنا،ومع أصدقائِنا.
كثير من المشاكل التي نراها حولنا: مثلا في العائلة بين الكنة والحماية، بين الأخوة،بين الجيران،بين الجماعات،يكون سببها التسرع ، وعدم التأني في فهم الطرف الآخر ،ويؤدي ذلك إلى ظلم الأخ لأخيه، والرجل لزوجته، أو لأمه،وهكذا…
تحضرني قصة رواها لنا شيخنا رحمه الله،قصة عن أبيه أنه جاء مرة إلى بيته فوجد أمه غضبى من زوجته،فقالت له: أنا لاأرضى عنك حتى تضرب زوجتك !!
حاول الشيخ أن يهدأها ويثنيها عن طلبها فما استطاع،وقال لها: لابأس سأضربها الآن،وأخذ زوجته وصعد إلى غرفته في الطابق العلوي،فقال لها تعالي نمثل، أنا أضرب على الكنبة ،وأنت تصرخين ،فتظن أمي أني أضربك، فقالت: لا والله لا أرضى،ولا أدعها تشمت بي،فحاول معها وكرر المحاولة ،لكنها رفضت،ثم قال لها: سأعطيك على كل ضربة مجيدية (ليرة ذهب عثمانية) ، فأعجبتها الفكرة ورضيت معه،فراح يضرب الكنبة وهي تصرخ،والأم تسمع وتظن أنه يضرب زوجته فتتشفى،وهكذا أرضى أمه ولم يظلم زوجته.
– نحنُ بحاجة للتأني في فهم السؤالِ وتصوُّرِه وعدمِ التسرُّعِ في الجواب لئلا نقعَ في الخطأ.
– نحن بحاجة للتأني في الحكم على الآخرين وعدمِ تصديقِ الشائعات عن الناس، وترويجِها ونشرِها،وهذه من الكبائر، وهذا بلاءُ أمَّةِ محمَّدٍ الآنَ وخاصةً عندَ النساء.
والله عاتبَ المؤمنين في ذلك فقال في حادثة الإفك {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: ١٥].
نحن بحاجة للتأني في الحصول على أهدافنا يقولُ رسول الله : « قَالَ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قَالُوا وَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي » .
واللهُ يقولُ: :{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩]

التعليقات

تعليقًا





 
 

 

أنت أيضًا تستطيع|زينب علي البحراني

أنت أيضًا تستطيع زينب علي البحراني “من يحلم بأن يهزمني فعليه أن يستيقظ ويعتذر عن ذلك”.. هذه الكلمات التي تلتهب الثقة في ...
by admin
 

 
 

الإستضعاف الذي يجلب الأستعطاف|احمدفرج

الاستضعاف الذي يجلب الاستعطاف اخرته وحشة اوي زي ايه زي خطيبه تحكي لخطيبها كل مشاكلها العائلية نقاط الضعف والمسكنة وتوصله ان...
by admin
 

 
 

ضرب الأبناء |أحمد فرج

نهي النبي صلي الله علية وسلم عن ضرب الوجهه لما يحمل من كرامة الانسان وان معظم التعبيرات والفكر واتخاذ القرار وادارة الاجهزة ...
by admin
 

 

 

متزعلش |احمد فرج

المقال ده خاص و مخصص للشباب والبنات الي ليهم آباء وامهات ارتقت ارواحهم الي مكانهم الجميل فين ؟ في جنات ونهر ايوا يعني فين ؟ في...
by admin
 

 
Advertisement
 

حاسس بيك |أحمد فرج

المقال ده مرضتش اسجله فيديو برضه لاني مش هقدر استجمع قوايا فيه وممكن بكل سهوله تنهار دموعي ومش هينفع اكمله قولت اكتبة احسن وا...
by admin
 

 




Advertisement