الموقع الرسمي لمجلة حور الدنيا
مجلة شبابية



القديم

2013-04-24
 

المهاجر الوفي

More articles by »
Written by: admin

المهاجر الوفي

علا الورداني

عندما نقرأ ذلك العنوان يخطر ببالنا فكرتين متناقضتين تمام التناقض … الهجرة خارج البلاد و الوفاء للبلاد … كثيرًا منا يهاجر خارج بلاده بحثًا عن فرصة عمل أملا في حياة أفضل مع عدم الأمل في العودة إلى الوطن .. فكيف له أن يكون وفيًا لبلاده التي من المجدر به الانتماء إليها !
حديثنا اليوم يدور حول مهاجر , ترك بلاده عنوة وبإرادته في الوقت ذاته ! فكثيرًا منّا يوضع في ظروف مهما اختلفت تحتم عليه ترك المكان الذي يحبه بإرادته مهما صعب عليه وكره ذلك الفعل , ولكن تكون حينها للضرورة أحكام .. ولكن .. ما الذي يجعل موظفًا مرموقًا في البلاط الملكي , يمتهن مهنة من أهم وأعلى المهن شأنًا في الدولة , مقربًا إلى الملك وأسرته الرفيعة و له شأن عال في المجتمع و حكومة وطنه أن يترك بلاده بإرادته متجهًا إلى بلد آخر أقل منها في المستوى الثقافي والحضاري والاجتماعي والفني ؟!
نروي اليوم قصة واقعية , لرجل مرموق الشأن, عاش إبان الأسرة الثانية عشرة لعصر الدولة الوسطى في تاريخنا المصري القديم … هذا الرجل امتنهن مهنة رفيعة الشأن وهي مهنة الطب , فكان يعمل طبيبًا لدى الملك آمن آم حات و المعروف خطأ باسم الملك أمنمحات الأول , فكان – بالإضافة إلى كونه طبيبًا – نبيلًا من رجال البلاط الملكي , رئيسًا على مقاطعات الملوك و الحكام في البلاد الآسيوية , الصديق الأوحد للملك و غيرها من اأالقاب النبيلة التي اكتسبها أثناء وجوده على أرض مصر في قصر الملك …
عاش الطبيب حياة سعيدة هادئة في كنف الملك أمنمحات الأول الذي فوجئ بوفاته وحزن حزنًا عميقًا لفراق الملك نظرًا لقربه الشديد منه , وقتها , كان الأمير الوراثي وابن الملك ” اس ان وسرت” المعروف باسم ” سنوسرت الأول ” يقود حملة لإخضاع البلاد الأجنبية على رأس جيش قام والده الملك امنمحات الأول بإرساله , وقد نجح اأامير سنوسرت في إخضاع تلك البلدة وأسر عدد كبير من أهلها و قطائع ماشية من أنواع متعددة منها ..
عقب وفاة الملك امنمحات الأول , تم إرسال مبعوث من القصر الملكي إلي الأمير لابلاغه بوفاة والده لكي يعود إلى الأراضي المصرية على الفور , والذي بدوره استجاب على الفور عائدًا إلى مصر دون إعلام الجيش بذلك حتى لايؤثر ذلك على روحهم المعنوية وقت النصر …
في تلك الحملة , أرسل أيضًا أبناء الملك امنمحات الأول والذين بدورهم أمراء ملكيين ينافسون الأمير سنوسرت الأول على الحكم بعد وفاة الملك , وفي حين يتحدث الأمراء عن أمر ما , سمعهم الطبيب حينما مر بجوراهم , وما أن سمع حديثهم صار قلبه بين قدميه وارتعشت أطرافه وفر هاربًا ليبحث عن مكان ليتوارى فيه عن الأنظار … ولكن يا ترى ما هو ذلك الأمر الخطير الذي أثر سلبيًا على الطبيب ؟!
فر الطبيب هاربًا متجهًا إلى الجنوب بغير وجهة , ثم إلى الشمال إلى أن وصل إلى الحدود الآسيوية , حينها داهمه العطش واصفًا إياه بأنه طعم الموت , ثم واصل سيره إلى أن وصل إلى بيبلوس – لبنان حاليا – و قضي بها عام و نصف … هناك , علا شأنه كثيرًا وأصبح مقربًا من الحاكم الذي كان يتحدث اللغة المصرية القديمة والذى استغل معرفة الطبيب بكثير من العلوم و جعله مربيًا خاصًا لأبناءه وزوجة أكبر بناته وأعطى له الاختيار ليكون كبيرًا على رأس إحدى القبائل هناك في واحدة من أجود الأراضي الزراعية .
قضى الطبيب هناك بضع سنوات , إلى أن صار أبناءه رجال أشدّاء , وأصبح كل منهم حاكمًا على رأس قبيلة , إلى أن داهم الطبيب الخطر من أحد أبناء القبيلة الأصليين , كيف يكون لذلك الأجنبي المصري شأنًا أعلى من أبناء القبيلة ذاتهم ؟ خاصة مع العداء الشديد من الآسيوين إلى المصريين في ذلك الوقت ونشاط مصر ضد الدول الآسيوية , فقد عزم ذلك الرجل على مواجهة الطبيب حاكم القبيلة , حينها استعد الطبيب وجمع أهل القبيلة وانتصر الطبيب في تلك المواجهة مع حب و تقدير أهل القبيلة له بل وأصبح الطبيب أكثر غنى و ثراء .
بعد علو شأنه و عظم قدره , وقف الطبيب ناظرًا إلى نفسه في تلك البلاد الأجنبية , مدركًا أنه مهما اكتسب من مال أو عيال أو منصب أو جاه فهو سيظل دائمًا غريب مهجّر بإرادته من بلاده … حينها قرر الطبيب إرسال رسالة إلى الملك سنوسرت الأول مخبرًا إياه سبب فراره من مصر و طالبًا منه السماح له بالعودة بعدما شعر بمدى الحنين إلى بلده المحبوبة مصر …
” إنني تركت مصر على أثر مؤامرة قد تم تدبيرها لكم من قبل أبناء أبيكم الأمراء وقتما وافته المنية فعزموا على التخلص منك , فكنت ما بين أمرين كلاهما قاس , إما إبلاغكم بالأمر فتعرض حياتى للخطر , وإما ترك البلاد ….. ” الطبيب قائلًا
وطلب الطبيب من الملك راجيًا إياه بالسماح له بالعودة مرة أخرى إلى مصر المعشوقة قائلًا ” إني لديّ ما يكفيني من المال والخدم والجاه والأبناء , بيتي ملئ بالخيرات وأرضي مليئة بالمزروعات , ولكن بالي متعلق بالقصر وقلبي متشوق للعودة إلى مصر .. وإننى على ثقة بأنك ياسيدي لن تخذلني وستسمح لي بالعودة إلى المكان المتحد مع قلبي , و الأكثر أهمية من ذلك إنني أريد أن أدفن في المكان الذي ولدت به … فيا ليت ملك مصر العظيم يرحم ضعفي و يقبل رجائي ….. “
فوجئ الطبيب بمرسوم من الملك يسمح له بالعودة إلى مصر , و يسأله متعجبًا عما فعله بذاته بتركه مصر هائمًا على وجهه من أرض إلى أخري , فإن تلك الفعلة ما تكون إلا عقاب إليه , وطلب منه الملك العودة إلى مصر لينعم بالعيش في مسقط رأسه ومكان معيشته الأولى وليدفن بأرض مصر الحبيبة , مرسلًا معه بعض الهدايا الملكية … وقد أخبره الملك بأنه أعد كل شئ لاستقباله و لينعم بجنازة مهيبة و مقبرة مزينة و تصريح بالتحنيط كي ينعم بالحياة الأبدية ….
” لا تمت بالغربة ! لا تجعل الآسيويين يقبرونك , لا تسمح لنفسك أن توضع في جلود الخراف لتكون تابوتك … ” الملك قائلًا
وصل ذلك المرسوم إلى الطبيب حينما كان واقفًا في وسط القبيلة , وعندما قرأ عليه خر ملقيًا نفسه على الأرض . كان باقيًا له يومًا واحدًا قبيل العودة إلى مصر , حيث قسّم ممتلكاته بين أبناءه و ترك كل شئ وراءه إلى مصر .
حينما عاد الطبيب الوفي إلى مصر , استقبله عشرة رجال ليأخذوه إلى القصر الملكي , ولكن أول ما فعله الطبيب أول ما وطأت قدميه فوق الرمال المصرية هو أن خر ساجدًا لتلمس جبهته أرض مصر الحبيبة , ليشم رائحتها العطرة التي حرم منها لسنين و سنين …. حينها قابل الملك والذي اعتبره من النبلاء و الأعيان بل وخصص له بيت بحديقة ومرايا وحمام وملابس من الكتان الملكي وأشجار المر وعطور ..
” لقد أزيلت السنين من جسدي , وتم حلق شعري و تمشيطه . نام جسدي على سرير , وقد بني لي هرم حجري في وسط الأهرامات و خصص لي قرابين جنائزية … ” الطبيب قائلًا
و لكن السؤال الآن .. من هو ذلك الطبيب المصري؟ , من هو ذلك المهاجر الوفي … هو من نسمع عنه باستمرار ولا نعرف قصته الحقيقية … هو أول مهاجر من أرض مصر في التاريخ المصري القديم …. هو الطبيب المصري سنوهي الذي غيّر الإعلام من صورته كثيرًا ليتحرف بشكل أو بآخر عن حقيقته … ما أعظم شأنك أيها المصري ! لا تترك وطنك عبر التاريخ و حينما تفعل , تعود إليه بلهفة شديدة راجيًا كل من بيده الأمر للسماح لك , غير أن تركك لها جاء بعيدًا عن إرادتك …. اليوم , وبعدما مرت السنون على تلك الواقعة , نحتاج إلى تعريف المصريين على المصريين , المصريين بحق … هذا هو تاريخنا , فهل من قارئ !

التعليقات

تعليقًا





 
 

 

أنت أيضًا تستطيع|زينب علي البحراني

أنت أيضًا تستطيع زينب علي البحراني “من يحلم بأن يهزمني فعليه أن يستيقظ ويعتذر عن ذلك”.. هذه الكلمات التي تلتهب الثقة في ...
by admin
 

 
 

الإستضعاف الذي يجلب الأستعطاف|احمدفرج

الاستضعاف الذي يجلب الاستعطاف اخرته وحشة اوي زي ايه زي خطيبه تحكي لخطيبها كل مشاكلها العائلية نقاط الضعف والمسكنة وتوصله ان...
by admin
 

 
 

ضرب الأبناء |أحمد فرج

نهي النبي صلي الله علية وسلم عن ضرب الوجهه لما يحمل من كرامة الانسان وان معظم التعبيرات والفكر واتخاذ القرار وادارة الاجهزة ...
by admin
 

 

 

متزعلش |احمد فرج

المقال ده خاص و مخصص للشباب والبنات الي ليهم آباء وامهات ارتقت ارواحهم الي مكانهم الجميل فين ؟ في جنات ونهر ايوا يعني فين ؟ في...
by admin
 

 
Advertisement
 

حاسس بيك |أحمد فرج

المقال ده مرضتش اسجله فيديو برضه لاني مش هقدر استجمع قوايا فيه وممكن بكل سهوله تنهار دموعي ومش هينفع اكمله قولت اكتبة احسن وا...
by admin
 

 




Advertisement